ملا محمد مهدي النراقي
20
جامع الأفكار وناقد الأنظار
بقاء سائر الادراكات وانتظامها ، فيعلم منه أنّ مبادي هذه الادراكات متعدّدة مختلفة ! وهذا الوجه لا يجري في اثبات القوّة العاقلة - أعني : النفس الناطقة - ! ؛ قلنا : جريان هذا الوجه في اثبات النفس الناطقة أظهر من جريانه في اثبات القوى الجسمانية ، لأنّا نرى انّ الحيوانات العجم مع تحقّق الادراكات المتعلّقة بالقوى الظاهرة والباطنة ليس لها ادراك الكلّيات ؟ ! ، بل كثير من الناس - من البله والصبيان - كذلك عند جماعة ! ، فيظهر منه انّ ادراك الكلّيات ليس للقوى الجسمانية ، بل لقوّة أخرى لم توجد فيها . بل قد يختلّ بعض ادراكات القوى الجسمانية في بعض الناس مع بقاء ادراك الكلّيات والمجرّدات - كما هو ظاهر من أحوال بعض المجذوبين والمجنونين - . فان قيل : يمكن أن يكون ادراك الكلّيات لبعض القوى الجسمانية من المتخيلة أو الوهم إذا قوّى لأجل كثرة الفكر والتخيّل ! ؛ قلت : إن أريد بالقوّة الموجبة للتعقّل الحاصلة لبعض تلك القوى التجرّد ؛ ففيه : انّه لا معنى لتجرّد هذه القوى مع انطباعها في الأجسام ، على انّه يثبت مطلوبنا من اثبات كون ادراك الكلّيات للمجرّد ؛ وإن أريد بها شيء آخر ؛ ففيه : انّ اشتداد الجسمانيات وقوّتها إنّما يصير منشأ لزيادة الادراكات والافعال الجسمانية ، لا ادراك الكلّيات والمجرّدات - لما تقدّم من أنّ المادّي لا يمكن أن يدرك المجرّدات - . الثالث من اقسام الادراك : « ادراك القوّة العاقلة للأشياء بأنفسها لا بتصوّر زائد على ذاتها » ، فانّ كلّ عاقل يدرك نفسه لا بصورة زائدة على ذاته . كما لا يخفى على من تأمّل في علمه بنفسه ، فانّ كلّ انسان يدرك نفسه على وجه يمتنع فيه الشركة ، ولو كان هذا الادراك بصورة زائدة حاصلة في النفس لكانت كلّية ، وإن حصلت من كلّيات كثيرة شخص حملتها بنفس واحدة ، لأنّ المركّب من الكلّيات ولو تعدّدت كثرة بحيث لا تحصى لا يخرج عن احتمال صدقها على كثيرين ، مع أنّ النفس إذا أدركت ذاتها لا تكون ذاتها المدركة صادقة على كثيرين . فعلم النفس بذاتها انّما هو بحضور ذاتها